أفاق العلاقات التركية-الجزائرية؛ فرص كبيرة وصعود إقليمي

عدد المشاهدات : 2520

بقلم/طه عودة أوغلو /باحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية[1]خاص- سراي بوست

لعل الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تركيا، هذا الأسبوع، أعادت إلى الأذهان مجددا النمط الفريد في العلاقات بين البلدين بمحيطهما الإقليمي والشرق الأوسطي وحتى الأفريقي التي دائما ما اتسمت بالتنسيق والمتانة والاستقرار خصوصا في ظل استثمار واعتماد كلا البلدين على اللغة الدبلوماسية الرصينة والمتوازنة بعيدا عن سياسات الاستقطاب أو الاحتواء التي تنتهجها بعض القوى الكبرى أو تلك التي لديها مصالح وأهداف تحاول النفاذ من خلالها للسيطرة على مقدرات المنطقة.

لأسباب كثيرة ومصالح متعددة سياسية وأمنية اقتصادية وعسكرية، حظيت زيارة تبون بأهمية بالغة، فناهيك عن كونها أول زيارة لرئيس دولة جزائري إلى  تركيا منذ وصوله للسلطة في ديسمبر/كانون الأول 2019، فقد حملت معها أيضا محادثات ثرية وعميقة بين رئيسي البلدين، وتوقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم لتعزيز التعاون الثنائي على جميع الأصعدة، وإضفاء الديناميكية المنشودة على العلاقات التاريخية المتميزة بين البلدين الشقيقين.

وكان أبرز هذه الاتفاقيات التعاون في قطاعات الطاقة، المناجم، التجارة، الصناعة، الصيد البحري، وكذا مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود إلا أن التعاون في الصناعات الدفاعية والمجال البحري كان له النصيب الأكبر من الحظ مع كشف الرئيس رجب طيب إردوغان عن وجود مفاوضات بين شركة حكومية وأخرى خاصة مع الجزائر في مجال “الصناعة العسكرية البحرية” ما يفتح بابا كبيرا للتعاون العسكري، في وقت تُصنف فيه الجزائر تقليديا في خانة المشترين الخمسة الأوائل للأسلحة الروسية، معتبرا أن علاقات تركيا مع الجزائر “تذهب إلى المدى البعيد”، وتوقع ارتفاع حجم الاستثمارات التركية بالجزائر إلى 10 مليارات دولار، والتبادل التجاري إلى نحو 11 مليار دولار.

المؤكد أن تطور العلاقات التركية-الجزائرية سوف ينعكس بشكل إيجابي على عديد القضايا الدولية والإقليمية خاصة في ظل تشابك الكثير من الملفات والمشاكل في المنطقة بدءا من الأوضاع في سوريا مرورا بليبيا، اليمن، إلى أخر العراق في ظل حقيقة أن الثوابت الراسخة للبلدين تنطلق من جوهرية رفضهما التام لكل التدخلات الإقليمية في شئون المنطقة باعتبارها تشكل تهديدا للسيادة والاستقلال الوطني والأمن القومي.

وعليه، تنفق أراء الخبراء والمتابعين للمشهد الدولي حول آفاق العلاقات بين البلدين أن الجزائر تدخل ضمن حسابات تركيا العميقة وتأخذ حيزا واسعا من اهتمامها كبلد محوري في أفريقيا وبقدراته الكبيرة في الإقلاع الاقتصادي، ولعل هذا ما يفسر مسارعة وزارة الخارجية التركية قبل زيارة تبون إلى إصدار بيان توضيحي ينفي بشدة ادعاءات وسائل إعلام مغربية من أن تركيا تدعم حل الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب في قضية النزاع في الصحراء الغربية الذي أصبح محل تجاذبات مقلقة مع الجزائر بعد تحوله إلى برميل بارود يهدد استقرار وأمن منطقة شمال أفريقيا. وهذا الموقف الوسطي الذي تتجنب فيه “أنقرة” الاصطفاف إلى جانب أحد طرفي النزاع، يؤكد أن تركيا لا تريد أن يكون هناك أي تشويش على زيارة الضيف الجزائري العزيز، وفي نفس الوقت، تحاول عدم الإضرار بالعلاقات التركية-المغربية المتنامية أيضا. يضاف هذا الموقف إلى مبادرة سياسية سابقة أخرى بالغة الأهمية من الرئيس إردوغان الذي خص الجزائر بثلاث زيارة متتالية منذ عام 2014، وكان حريصا أيضا على أن يكون أول رئيس دولة يزور الجزائر في يناير/كانون الثاني من عام 2020 وذلك بعد شهر واحد من انتخاب تبون رئيسا للجمهورية.

وعندما نتحدث عن الجانب السياسي، نرى أن الجزائر تبنت منذ وصول الرئيس تبون مواقف تتطابق إلى حد كبير مع التوجهات التركية وعلى رأسها الملف الليبي عسكريا وسياسيا، والمواقف التقليدية للبلدين من القضية الفلسطينية، لكن يمكن القول أن القاسم الأكبر المشترك في السياسة هو الخلاف المتصاعد مع فرنسا إذ يُجمع كلا البلدين على معارضة العمليات والانتشار العسكري الفرنسي في الساحل الأفريقي والقارة الإفريقية عموما، والرغبة المشتركة في تحجيم النفوذ الفرنسي في المنطقة خصوصا أن تركيا باتت ذات قوة ونفوذ لا يستهان به في الكثير من المناطق الأفريقية، وعليه فإن التعاون بين البلدين يخلق فرصة تاريخية من حيث تعظيم النفوذ وحماية المصالح المشتركة.   

إذا، هناك الكثير من المصالح الاستراتيجية المشتركة والمشاريع الاقتصادية والعسكرية المستقبلية التي تدعم قوة واستمرارية العلاقات التركية-الجزائرية وتحصّنها من أي خلافات تشوبها مستقبلا بغرض تطويق توغل منافسيهم الأقوياء في القارة الأفريقية التي تشكل مصدرا مهما للنمو الاقتصادية.. وعلينا أيضا أن لا ننسى حقيقة أن كلا البلدين يشتركان أيضا في موقف نبذ التدخلات الأمريكية التي تعاني منها الجزائر بقوة من حيث الدعم الأمريكي للمغرب في مسألة الصحراء الغربية وهو ما دفعها الجزائر إلى تصويب بوصلتها نحو الدب الروسي والعملاق الصيني.. وعليه، تبدو الطريق التركية-الجزائرية مفروشة بالورود في التعاون الاستراتيجي من جهة، والتصدي للخصوم الأقوياء في المنطقة من جهة أخرى.

المصادر[+]

المصادر
↑1 خاص- سراي بوست

التعليقات


لا يوجد


إذا أردت إضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول